هل الوطنية تحتاج إلى تربية؟

كتبهاأم أيمن ، في 26 سبتمبر 2009 الساعة: 16:22 م

بقلم هاشم محمود مسلم الزيود 

 

وصلني عن طريق الإيميل قصة عن سيدة عجوز أمريكية ملخصها "أن هناك سيدة أمريكية تتسوق من أحد محلات السوبرماركت وتعتبر زبونة دائمة لهم ويعرفها الجميع، وفي يومٍ من الأيام تفاجىء القائمون على السوق أن تلك السيدة قد أقامت عليهم دعوة أمام المحكمة بتهمة خيانة الوطن، وجاء في الدعوة أن موظفة "الكاشير" لم تضيف قيمة الضرائب المستحقة على تلك السيدة، فسألها القاضي بعد إصدار الحكم بأن هذه القضية الأولى من نوعها التي تُنظر بها المحكمة وأنت بذلك تخسرين المال لصالح الدولة، فردت تلك السيدة هذا صحيح إن تلك الضرائب التي أدفعها تجعل أمريكا قوية، وهي تدفع لي راتباً تقاعدياً ، وهذا واجبي تجاهها مما يشعرني برد الجميل".

بعد أن قرأت تلك القصة ولا يهمني مدى صحتها من عدمه ، ولكن وجدت أن الوطنية لدينا تحتاج إلى إعادة نظر وتقييم من جديد ، فالطالب الذي يجلس على مقاعد الدرس لمدة تزيد عن اثني عشر عاماً وفي نهاية كل عام ، يملئ ساحة المدرسة وبوابتها الرئيسة بقصاصات الورق من الكتب والدفاتر، تحتاج وطنيته إلى تربية ، والمعلم الذي يبدع ويتميز داخل غرفته الصفيه عند وجود مشرف أو مدير فقط تحتاج وطنيته إلى تربية ، وطالب الجامعة الذي يفرغ جم غضبه بالمقاعد والمرفقات فيثور مكسراً ومحطماً ما تطاله يداه، وطنيته تحتاج إلى تربية ، وحامل الشهادة الجامعية الذي يتخرج ولا يعرف حدود الوطن ولا مناسباته المهمة ويصمت مطولاً عند سؤاله عن تاريخ الإستقلال أو ذكرى معركة الكرامة فوطنيته تحتاج إلى تربية ، ولاعب الفريق المتعصب لفريقه الحاقد على خصمه البعيد عن الروح الرياضيةِ في لعبهِ وطنيته تحتاج إلى تربية، وحارس المؤسسة الذي يتركها مضاءة ليلاً ونهاراً وعطلةً ودواماً وطنيته تحتاج إلى تربية، والموظف الذي يحضر متأخراً وينصرف باكراً من عمله وطنيته تحتاج إلى تربية ، والمسؤول الذي يدخل دائرته يومياً ويخرج منها دون أن يلاحظ أن علم الدولة ورمز سيادتها قد أصبح (خرقة بالية) فوق المبنى وتجده مهتم بتغير أثاث المكتب وصيانة "الكندشن" ويسارع برفع يافطة عند كل مناسبة تهنئ القائد لأنها تحمل اسمه وصفته فوطنيته تحتاج إلى تربية، والنائب الذي قدم مصلحته على مصلحة الوطن فطالب بمضاعفة الراتب ومزيداً من الإمتيازات الخاصة التي تثقل كاهل الوطن ويولوح بعصا الإستجواب أيضاً وطنيته تحتاج إلى تربية ، والوزير الذي ما إن استقر على كرسي الوزارة حتى أصبح جدول مواعيده مليئاً بالمناسبات الاجتماعية ومدير مكتبه يمنع صاحب الحاجة من الوصول إليه فوطنيته تحتاج إلى تربية و و و ..
لذا أرى أنه لا بد من أن تكون مادة التربية الوطنية في مقدمة المواد المدرسية قبل الفيزياء والكيمياء والرياضيات ويجب أن تدخل في إمتحان شهادة الدراسة الثانوية ويكون لها نصيب الأسد من الدرجات حتى تكون عند الطالب شغله الشاغل وهمه الأول والذي من خلالها سيرفع معدله العام ، ويجب أن تخرج مادة التربية الوطنية من قاعات المحاضرات الجامعية المكتظة بالطلاب وحبيسة "السلايدات والبوربوينت" لتصبح مشروع تخرج فيكتب ابن الشمال بحثاً وافياً عن الجنوب ويزورُ ابن الجنوب مناطق الشمال ويضطر للسكن فيها أياماً لإكمال بحثه.

لأن من يجلس على مقاعد العلم اليوم سيكون هو قائد الغد، فيجب أن يكون الوطن بالنسبة له كالدماء في العروق، يعمل على تنقيتها وتصفيتها من شوائب الدهر وخرائبه ، دماء لا تذوب في ماء المشاعر ولا تتذبذب فيرتفع منسوبها مره وينخفض مرات فنحتاج إلى جيل واعٍ بوطنه محباً له جيل يعلم علم اليقين أن الإنتماء للوطن هو الهوية وهو كالماء أساس الحياه وسببها ، والأردن كبقية الدول بحاجة إلى تعليم الأجيال معنى الإلتفاف والإصطفاف حول الوطن ومعنى مكتسباته ومقدراته ، فالانتماء إلى الأردن لا يأتي بقرار أو قانون، وإنما هو تدريب وتهذيب وعلاقة عشق وهيام بين الإنسان وذرات تراب الوطن وبين الإنسان وماء الوطن وبين الانسان وهواء الوطن.

والوطنية والانتماء لا تأتي بأغنية على ألحان راقصة ولا بلوحة على جدران صامتة ، الانتماء للوطن يكون علم وعمل لوطنٍ ذابت حوله الأجساد حامية ، وأمهات حَضَنَته حانية ، ورجالٌ لوحتهم شمس العمل الحامية، صنعوا وطناً لا ينام ولا يغفو، يستقبل الشمس بضربة فأسٍ ولمعة زندٍ وصيحة قائد في ميدان الشرف والبطولة.

فالكون أصبح قرية صغيرة ووسائل الإتصال اصبحت سهلة ويسيره، والتطور المأمول يجب أن يضع الأردن في المقدمة ويرسم له الصورة الواضحة وأن يكون عند الرجال المخلصين له في حجرات القلب الرئيسه وأن يكون هو العين التي يبصر من خلالها المستقبل ، وهو الدماغ الذي يعطي الأوامر والإشارات بالعمل والتطور ، الاردن كان نقطة على خارطة العالم والآن أصبح كلمةً مسموعة ورايةً مرفوعة وقصيدةً محفورة ، وأصبح وجهةً مقصودة وأرض ممدودة.

فلا نشير بأصابع الإتهام لمن أحبَ الوطنَ بأنه "منافق او انتهازي!" فهل شققنا عن قلبه؟! ولماذا حمدنا وشكرنا من يناصب العداء ويهدم البناء ويسرق مكتسبات الوطن وقلنا بأنه الشريف الأمين الوطني ابن الأكرمين ونسينا "عجوزاً" لوحتها شمس الصحراء بعيدةٌ عن فاخرِ المكاتبِ ويسر الركبِ تلهج بالدعاء الخالص الصادق النابع من القلب أن يحفظ هذا البلد آمناً مطمئناً من كل شر وأن يرزقه وأهله من الثمرات ، وهي غير طامعة بكرسي وزارة ولا بمنصب نيابه ولكنها تعلم إن مس الحضرُ شرٌ فقد مس البدو شرٌ مثله.

لن يعرف معنى الوطن إلا من سافر أو هاجر وذاق المرَّ وفقد وجه الاحبة ودفئ المكان فتذكر صحبة الصغر ورفاق الدرب ولون الطبيعة فعلق على جدار الغربة صورة وكتب بطعم الإشتياق قصيدة مجبورة وليست مكسورة.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تقارير ومقالات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “هل الوطنية تحتاج إلى تربية؟”

  1. ام ايمن:

    جازك الله خيرا علي نشر المقال و لكن هناك السوأل الاكبر الي ماذا ننتمي , ان فقد الانتماء للوطن لم يأت من فراغ لقد سبقه فقد الانتماء الي الاسره و الحي و الجامع و حتي الجامعه , الانتماء مثل مثل الدوائر مشتركه المحور يجب ان نبداء من الاصغر للاكبر

    لقد تحدثتي عن شعورنا نحن المهاجرين و شعورنا بالنتماء , ارجوا ان تتذكر اننا هنا في المهجر نحتضن عائلتنا فهي كل مانملك و نعتز باصدقائنا فليس منهم الكثير وهو كاالاخوه لنا و نشعر ان مساجدنا هي كا بيوتنا فلا عجب ان هذا الشعور الدافئ ينمو الي احتضان الوطن الام

    وشكرا

    مهاجر مصري

  2. أخي مهاجر مصري

    حياك الله في مدونتي

    بلادي وان جارت علي عزيزة *** اهلي وان ضنو علي كرام

    اعيش سنوات طويلة في كندا وهذه السنوات لم تفقدني الانتماء للوطن او الحنين إلى الأهل.

    وهذا الشعور بالانتماء للوطن والأهل والجيران والأحباب غرسناه في نفوس اولادنا منذ نعومة اظافرهم.

    وبالمناسبة فأن المناهج التربوية الكندية تشدد على ظرورة الحفاظ على الهوية الثقافية للقادمين الجدد مع التفاعل الإيجابي مع الثقافات الأخرى.

    ولكن مع الأسف الشديد هناك من تجده حتى في الوطن البديل كمن لا وطن له . تجده يصر على العيش منعزلآ متقوقعآ على ذاته.

    لا يندمج مع مجتمعه الجديد ولا يتفاعل مع المتغيرات الجديدة

    التي طرأت على حياته في بلد المهجر.

    تجده يأخذ ولا يعطي

    الست معي في أنه يجب أن نعطي الغرب صورة مشرفة عن الإسلام والمسلمين مغايرة للصورة السوداوية التي نقلها اعداء اللإسلام عننا.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول